اسد حيدر
19
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
1 - الجمود الفكري فقد ضمن الإسلام بمبادئه وقيمه وضعا فكريا يؤدي إلى تطور حالات الإنسان وتقدمه الحضاري ، ويدفع بمن امتلك قدرة الفكر وموهبة العلم إلى اغتراف مناهل المعرفة والأخذ بمضامينها ، فكان التفاعل الفكري والعطاء العلمي سمة المجتمع في صدر الإسلام ، وصفة الدعوة المحمدية التي بدّلت أوضاع الإنسانية ، وأحدثت الثورة في حياة الشعوب التي آمنت بها وانشدّت إليها . وكان التطور الفكري مقياسا أساسيا في التعامل الحياتي والوجود الإنساني للمجتمع المسلم ، حتى إذا حدثت الفرقة بعد استحكام النزعة الطائفية ، واستفحال التعصب المذهبي ، برزت عناصر كثيرة تقف بوجه ذلك التطور والتقدم الفكري ، إذ لا يمكن للآراء المنحرفة والدعاوى الفارغة أن تجد لها موقع قدم أمام ما بلغه المسلمون من مستوى فكري . فكان الجمود العقائدي أو الفكري أقرب إلى الجهلة وذوي الأغراض والأفكار المنحرفة ، وأنفع لهم ، فلقي المفكرون ضروبا من المقاومة الشديدة والجفاء الظاهر ، لكي يعطل وعيهم ، ويبعد أثرهم ، وتتاح لأولئك الذين يعملون على نشر الفرقة الفرصة ليغطوا جهلهم ، ويحققوا لأنفسهم مكانة على حساب وحدة المسلمين ومصلحتهم . ونحن عندما نستعرض جوانب وصورا من هذا الواقع - بعد قرون طويلة ومراحل متعددة - نرمي إلى كشف عوامل ذلك وعواقبه في مرحلة يتصاعد فيها وعي نشئنا المسلم وأجيالنا الواعية ، حتى يتبينوا واقع الدعوات والتيارات التي تحاول تجديد تلك الفرقة ، وإعادة ذلك الخلاف بعقليات متحجّرة ودعوات متخلّفة ، لا تختلف في دوافعها وحقيقتها عن عوامل وأسباب قيام الفرقة في المراحل الأولى من التاريخ الإسلامي .